- Stradom Journal
تباينت مواقف المستشرقين في النظرة إلى الإسلام عموما، والحديث النبوي بشكل خاص، فمنهم من سار على منهج علمي في بحثه دون مقررات سابقة، فأوصل ذلك بعضهم إلى اعتناق الإسلام والدفاع عنه، أو البقاء على دينه ودراسة الإسلام بطريقة موضوعية، ومنهم من سار في بحثه بوجود مقررات مسبقة إلا أن وازع البحث العلمي الموضوعي كبح جماح تلك المقررات، وأعاده إلى الإنصاف مرغما، ومنهم من انطلق دون قيود بناء على مقرر سابق وحقد دفين وتتبع للهفوات ولي لعنق النصوص ليقرر ما كان قد قرره سابقا، ويحاكم الإسلام بناء على قواعده هو لا على قواعد الإسلام، فوقع في الغلو وأدى به ذلك إلى شطط وبعد عن المنهج العلمي الموضوعي في البحث.
وجوزيف شاخت كان من هذا الصنف الثالث، ففي بداية حياته العلمية وضع ما يمكن أن يطلق عليه نظرية في دراسة الدين الإسلامي، وأسقط عليها جميع دراساته عن الإسلام، وتمثلت هذه الفكرة بأن القانون العرفي السائد هو الذي شكل أساس الفقه الإسلامي ومنه انبثق، بكل ما فيه من عناصر دخيلة، وما محاولات الرسول عليه السلام والصحابة رضي الله عنهم والتابعين من بعدهم في تقرير هذا الفقه إلا بالتوفيق بين هذا القانون وبين الدين الإسلامي. وكانت طريقتهم في ذلك الإجماع ثم السنة التي حاولوا من خلالها تأصيل وإعطاء صبغة شرعية على هذا القانون باستخدام عملية القذف الخلفي للحديث الذي سار مع الفقه وتطابق معه نتيجة جهود الفقهاء، وباستخدام العرف الذي برع فيه المالكية، وقد تم إنهاء المعركة القائمة والقضاء على هذا التناقض باستخدام فن الحيل الذي استخدمه الحنفية وتعاهدوه، ثم أنشأ معركة أخرى والتي أكد أنها نتيجة طبيعية لاستمرار حركة المعارضة للمدارس الفقهية القديمة والتي كانت فكرتهم أن تغلب أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم سنن المدارس الفقهية، فاخترعوا بيانات مفصلة ونسبوها للرسول صلى الله عليه وسلم بواسطة أسانيد، وهكذا احكموا خطتهم مع عدم وجود خط دفاعي لخصومهم فكانت الغلبة لهم بقيادة الشافعي في مواجهة الأحناف بقيادة محمد بن الحسن الشيباني.
وقد سار الباحث في تناوله هذا الموضوع بناء على خطة اقتضت تقسيم البحث إلى أربعة مباحث أفرد الأول منها لترجمة شاخت في ثلاثة مطالب تناولت حياته ومكانته ومؤلفاته، أما المبحث الثاني فكان للنظرية التي جاء بها بشكل عام أولا ومناقشتها، وفي المبحث الثالث ما يتعلق بالسنة بشكل تفصيلي على مطالب ثلاثة فكان الأول لنمو الأحاديث الفقهية، والثاني للإسناد، والثالث لنقد المتن، واتبعها بمبحث رابع رصد فيه من تأثر بالنظرية قبل أن يختم بما توصل إليه من نتائج.